أحمد أمين
40
كتاب الأخلاق
والأعمال المعتادة ؛ كالمشي والصلاة والكتابة تحتاج إلى الإرادة لإخراجها إلى حيز الوجود ، فإذا بدىء فيها لم تحتج إلى الإرادة لتكميلها . لنضرب الآن مثلا لعمل إرادي ثم نحلله لنعرف موضع الإرادة منه : هب أنك كنت تكتب فقررت أن تقطع الكتابة وتذهب إلى المائدة لتأكل ، هذا عمل إرادي لو حللناه لوجدناه يشتمل على أشياء : 1 - شعور بألم الجوع ، وهذا الشعور بالألم - أو اللذة في بعض الأمثلة - نجده أساسا للأعمال ، فما لم يوجد لا يوجد العمل ، 2 - ميل إلى الأكل نشأ من تصور لذة الشبع المستقبلة ومقارنتها بألم الجوع الحاضر . ويجب أن يلاحظ أن الميل غير الإرادة ، فكثيرا ما يوجد الميل ولا توجد الإرادة ، وكثيرا ما تحدث ميول متعارضة كما في مثلنا هذا ، فقد يميل إلى الأكل في لحظة عند تصور لذة الشبع والإحساس بألم الجوع ، وقد يميل في اللحظة التي تليها إلى الاستمرار في الكتابة إذا هو تصور اللذة التي تحدث من تتميم الموضوع الذي يكتبه وألم النقص الحاضر . وهذه الحالة تسمى ( 3 ) « حالة التروي » ، وهي التي يتردد فيها الفكر بين ميلين أو ميول متعارضة ، ويوازن بين نتائج الميول المختلفة . وبعد ذلك يترجح أحد الميول ويقبل العقل أحدها ويرفض الباقي « 1 » ،
--> ( 1 ) وهنا يرد سؤال وهو : أي الميول يتغلب ؟ ففي مثلنا السابق قد يميل الشخص إلى الاستمرار في العمل ، وقد يميل إلى قطعه والقيام للأكل ، فأي الميلين يتغلب ؟ أجاب بعض علماء النفس بأن كل ميل يتبع حالة نفسية خاصة ، فالميل إلى القراءة يتبع حالة للنفس خاصة غير حالة النفس التي يتبعها الميل إلى الأكل ، ويسمون حالة النفس هذه « عالم الميل » ، وحالات النفس تتغير من زمن إلى آخر وقد تتغلب فجأة ، كما إذا كان الإنسان في حالة فرح أو بعبارة أخرى في عالم سرور ، ثم يأتيه خبر موت صديق فينقلب سريعا إلى عالم حزن ، وكما يكون الإنسان في حالة استهتار وعدم مبالاة ثم يتذكر مبدأ أخلاقيا أو موعظة حسنة فينقلب عالمه النفسي ، وكل عالم يستتبع ميولا خاصة ، فعالم السرور يستتبع الميل إلى سماع الغنا مثلا أو مشاهدة تمثيل ، بينما عالم الحزن يستتبع الميل إلى الانكماش والعزلة ، وعالم الاستهتار قد يستتبع الميل إلى تعاطي المسكرات ، فإذا وعظ بموعظة مؤثرة تغير عالمه فهجر الخمر ومال إلى عمل أصلح ، وهكذا . -